الشيخ محمد علي التسخيري
168
محاضرات في علوم القرآن
ذلك الشعور الذي يجعلهم ينظرون إلى القرآن الكريم كما ينظرون إلى الكتب العلميّة التي تحتاج إلى الدرس والتمحيص . وإنّما هو شعور ساذج بسيط ، لأنّ القرآن كان يسير معهم في حياتهم الاعتيادية بما زخرت به من ألوان مختلفة فيعالج أزماتهم الروحية ، والسياسية ، ويتعرّض بالنقد للأفكار والمفاهيم الجاهليّة ، ويناقش أهل الكتاب في انحرافاتهم العقيديّة والاجتماعيّة ، ويضع الحلول الآنية للمشاكل التي تعتريهم ، ويربط بين كلّ من هذه الأمور بعرض مفاهيم الدين الجديد عن الكون والمجتمع والأخلاق . كل ذلك قام به القرآن الكريم ولكن بشكل تدريجي يسمح لعامّة المسلمين أن ينظروا إليه كأحداث تشكّل جزء من حياتهم الاجتماعيّة . وقد كان المسلمون يتفهّمون القرآن من خلال هذه النظرة الساذجة إليه وعلى أساس ما لديهم من خبرة عامة ، وهي تعني جميع المعلومات التي تحصل لدى الإنسان في مجرى حياته الاعتياديّة ، وهذه الخبرة العامة التي كان المسلمون يفهمون النص القرآني بموجبها ذات عناصر مختلفة يمكن أن نلخّصها بالأمور التالية : الف ) الثقافة اللّغويّة العامّة ، فالقرآن نزل باللغة العربيّة التي كانت تمثّل لغة المسلمين في ذلك العصر لأنّ الوجود الإسلاميّ حينذاك لم يكن قد انفتح على الشعوب الأخرى ، وهذه الثقافة اللغويّة كانت تمنح المسلمين فهما إجماليّا للقرآن من ناحية لغويّة . ب ) تفاعل المسلمين مع الأحداث الإسلامية وأسباب النزول . ذلك أنّ القرآن - كما نعرف - نزل في كثير من الأوقات بسبب حوادث معيّنة أثارت نزول الوحي . والمسلمون بحكم ارتباطهم بهذه الحوادث واطّلاعهم على ظروفها الخاصّة